بنك الاحتياطي الفيدرالي يفاجئ الأسواق بخفض طارئ لسعر الفائدة لمواجهة فيروس كورونا

نشر يوم : Sun, 08 Mar 2020

وافقت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة بالإجماع على تخفيض طارئ لسعر الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس إلى نطاق 1.0% - 1.25% بتاريخ 3 مارس الجاري. وقد يكون هذا الإجراء محاولة  للإعلان عن سياسة من قبيل "الصدمة والترويع"، مثل التخفيضات المنسقة لأسعار الفائدة من قبل ستة بنوك مركزية عالمية كبرى لمواجهة الأزمة المالية العالمية لعام 2008.

ولكن رد فعل السوق كان أبعد ما يكون عن الإيجابية، حيث انخفضت أسواق الأسهم بنحو 3% على الرغم من كونها المرة الأولى التي ينخفض فيها العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى أقل من 1%. وقد يكون سبب رد الفعل السيئ من الأسواق هو أن بنك الاحتياطي الفيدرالي قد تحرك بمفرده بدلاً من أن يكون التحرك منسقاً ومتعدد الأطراف. وفي الحقيقة، كان مؤتمر عقد مؤخراً لوزراء مالية مجموعة الدول السبع قد اختتم أعماله بالتعهد باتخاذ كل دولة إجراءها فرديـاً على حدة.

كان البيان المصاحب لخفض بنك الاحتياطي الفيدرالي الطارئ لسعر الفائدة موجزًا ​​بشكل ملحوظ، حيث أشار إلى نقطتين رئيسيتين: "إن أسس الاقتصاد الأمريكي لا تزال قوية. غير أن فيروس كورونا يشكل مخاطر متنامية على النشاط الاقتصادي". سنناقش الآن هاتين النقطتين الرئيسيتين قبل أن نتطرق للآثار التي ستترتب على السياسات النقدية والمالية في جميع أنحاء العالم.

 

خلافاً لبنك الاحتياطي الفيدرالي، فإننا نرى أن تلاشي الزخم الاقتصادي كان قد بدأ حتى قبل انتشار تأثير الفيروس. وكان ذلك بشكل رئيسي نتيجة لنضوج سوق العمل واتخاذ الشركات موقفاً حذراً من الالتزام بالتوظيف والاستثمار. فمع بلوغ معدل البطالة أدنى مستوياته في عدة عقود، تضاءل نشاط التوظيف خلال الأشهر الـ 12 الماضية (الرسم البياني 1). إلى جانب ذلك، تراجعت المؤشرات الرئيسية للنشاط المحلي الحقيقي، حيث ظل مؤشر مديري المشتريات لشهر فبراير في المنطقة الانكماشية عند 49.6 (الرسم البياني 2). وتراجعت الاستثمارات التجارية بنسبة 1.5% في الربع الرابع، مسجلة انخفاضاً للربع الثالث على التوالي، حيث تواصل التأثير السلبي لتباطؤ النمو العالمي، واستمرار التوترات التجارية، وعدم اليقين في السياسات على هذه الاستثمارات.

يمكن القول إن الولايات المتحدة كانت واحدة من أقل البلدان تأثراً بالفيروس بالنسبة لحجم الاقتصاد والسكان، حيث تم الإبلاغ عن 117 حالة مؤكدة فقط و7 حالات وفاة حتى الآن. ومع ذلك، فقد أصبح من الواضح بشكل متزايد أن الفيروس يمثل عقبة رئيسية للاقتصاد العالمي بأسره كما يتضح من الانخفاض الحاد في مؤشر مديري المشتريات العالمي (الرسم البياني 2). في الواقع، بدأت الآن الأسواق المالية العالمية فعلياً باستشعار المخاطر، بما في ذلك المخاطر على أرباح الشركات وعلى الطلب على السلع الأساسية بسبب الفيروس.

لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي مهمة واضحة تتمثل في دعم معدلات التوظيف واستقرار الأسعار في الولايات المتحدة. وقد أضعف فيروس كورونا بالفعل توقعات النمو وأسعار الأصول العالمية على حد سواء، وهو ما سيشكل عائقاً آخر للاقتصاد الأمريكي وسيضغط على معدلات التوظيف والتضخم في الولايات المتحدة في غياب رد من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي عبر السياسات.

ويشير الخفض الطارئ لأسعار الفائدة إلى تدهور كبير وسريع في التوقعات، حيث وافقت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة بنك الاحتياطي الفيدرالي بالإجماع على التريث في اجتماعه في شهر يناير وقرر عملياً اتخاذ موقف "الانتظار والترقب". وقد انتقلت الأسواق المالية بالفعل من تحديد الأسعار دون توقع تغير في أسعار الفائدة قبل أسبوعين من اجتماع يناير إلى التسعير الكامل لتخفيض بواقع 50 نقطة أساس في اجتماع مارس قبيل الخفض الطارئ لأسعار الفائدة (الرسم البياني 3). وتتوقع الأسواق الآن أن يتم إجراء تخفيض إضافي لأسعار الفائدة بواقع 50 نقطة أساس في اجتماع مارس، وأن يتم تخفيض الفائدة إلى الصفر بحلول منتصف عام 2020

 

ويتضح من بيان مجموعة الدول السبع أن وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية بدأوا يتعاملون بجدية أكبر مع فيروس كورونا. وقد وفرت جولات رفع أسعار الفائدة بقوة في عامي 2017 و2018 حيزاً لبنك الاحتياطي الفيدرالي في جانب السياسات، وهو يستخدمه حالياً لقيادة الجهود العالمية للتصدي لفيروس كورونا عبر السياسات الاقتصادية في غياب إجراءات منسقة متعددة الأطراف. سوف يشجع انخفاض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة البنوك المركزية الأخرى ويمكّنها من خفض أسعار الفائدة أيضًا لتجنب ارتفاع قيمة العملات. وكما أسلفنا الذكر، فإن انخفاض أسعار الفائدة يوفر للحكومات حيزاً أكبر لاستخدام الحوافز المالية.

يمثل فيروس كورونا تحدياً صعباً لصانعي السياسات لأنه يضرب جانبي العرض والطلب في الاقتصاد. السياسة النقدية ليست بالتأكيد علاجاً شافياً لكل العلل الاقتصادية، ويمكن القول بأنها أصبحت أقل فعالية. ومع ذلك، لا زال لديها دور مهم لدعم الطلب والثقة في هذه الأوقات الصعبة.

  يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير   عربي   و English